تعلم فن القيادة 6
تحدثنا في الحلقة الماضية عن الصفة الثامنة والتاسعة من صفات القائد، والمستلهمة من سيرة القائد الأول
والأعظم للبشرية، محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والسلام، ونتابع حديثنا اليوم عن بقية الصفات..
عاشراً ـ ومن صفات القائد الفذِّ: أنه يستطيع أن يحلِّل الأمور والأوضاع ويرتبها ليبني عليها المستقبل ويرتب حساباته على هذا الأساس.
فكلّما كان تحليله للواقع سليماً، وفهمه للماضي جيداً كان احترامه وتقديره للمستقبل عالياً. يقول الغربيون في صفات القائد الفعّال أيضاً في هذا المجال:
احترام المستقبل، واعتبار الحاضر، وفهم الماضي.
نرى هذه المعاني واضحة في قصة صلح الحديبية.
مجريات صلح الحديبية: كان النبي صلى الله عليه وسلم خرج محرماً لأجل العمرة في ذي القعدة مصطحباً زهاء ألف وخمس مئة من المهاجرين والأنصار، -فلما وصل نبأ خروجه صلى الله عليه وسلم إلى قريش تعاهدوا أنه لا يدخل عليهم أبداً- وسارت جحافل المسلمين حتى بلغوا كُراع الغَميم -واد بينه وبين المدينة مسافة (350) كم- وكان تفادى صلى الله عليه وسلم الاصطدام بخيل المشركين، فأخذ طريقاً غير طريقهم من جهة ثنية المُرار-: شجر تأكله الإبل- وفي هذا المكان بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فزجروها فلم تقم، فقالوا: خلأت القصواء -أي: حرنت- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما خلأت القصواء وما هو بخُلق لها، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خِطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها، ثم قال للناس: انزلوا، فنَزلوا ولم يكن بالوادي ماء، فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً فنَزل به في بئرٍ فغرزه في جوفه فجاش بالماء حتى شربوا وسقوا دوابهم).
حادي عشر ـ القائد الفعّالُ هو الذي يحيط نفسه بهؤلاء الرجال القوّاد، ليس بمن يتابعون كالجنود فينفذون بلا تفكير ولا تأمل ولا حوار ولا نظر كما يقال في القاعدة العسكرية: نفِّذ ثم اعترض أو ناقش، فما فائدة الرأي بعد الوقوع، وكقولهم: على المرؤوس طاعة مرؤوسيه التامة دون تزمر أو تردد فبهذا يكون شلٌّ للفهم وللعبقرية التي توجد في بعض أفراد الجيش، هنا يُرى بون شاسع عظيم بين من يدير أتباعه كأنهم هَمَل لا رأي لهم، وبين من يعامل جنده كقادة ومفكرين ومدبرين، ففي رأيهم قد يكون الصواب والنجح، وقد يكون في اعتراضهم ونقدهم النصر والنكاية بالعدوِّ.
ثاني عشر ـ فعلى القائد الفعّال: أن يقبل النقد بصدر رحب، فيسمع الحوار، ويناقش الدليل، ويعالج وجهات النظر حتى تستنير له الخطة أو الفكرة دون استبداد ولا تعنيف ولا اتهام، بل كان تعامله راقياً يأمرهم ويوجههم فيطيعونه.
تمسك النبي صلى الله عليه وسلم بموقفه؛ لأنه كما أشار: (إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري) أي: إنما أفعل ما أفعل بأمر من الله تعالى؛ لذلك أصرَّ صلى الله عليه وسلم على موقفه ذلك وإن لم تزل بعض الاعتراضات من بعض الصحابة رضي الله عنهم، لأنهم لم يستسلموا، ولو كانوا علموا أنه وحي لما خالفوا، ثم أثبت الاتفاق وأمضاه صلى الله عليه وسلم.
وللحديث بقية،،
من مجلة عالم الابداع - الدكتور طارق سويدان




Digg
Facebook
Google
Myspace
Windows Live Favorites
أضف تعليقك